ابن سبعين
390
رسائل ابن سبعين
وبالجملة : « حب الدنيا رأس كل خطيئة » « 1 » . والكسل والجهل والغفلة والملل واتباع الهوى ونيل الشهوات الحيوانية هو الحرمان بعينه ، وهي الشقاوة الأبدية إذا دام أمرها حتى إلى زمان نقض التركيب ، وصرف الأشياء إلى مواضعها ، وأعوذ باللّه من ذلك ، واستعيذ باللّه الرحيم الكريم من النقض ، وسلطان الشيطان الرجيم . وخذ نفسك بالسيرة الجميلة ، وسنة السريرة الجليلة ، وأحكام أحكام التجوهر ، وصلاح الأحوال بالحكم الإلهية ، وبالتصديق التام والتصور والتأهب لقبول فيض نوره بحقيقة الاتصال قبل تفرق الاتصال ، وحلول الانفصال ، فإن سهام الحمام لاسعة ، وأحلام اللّه واسعة ، وبعض ما أحصاه علمه ، وسعة حلمه ، والمسلم المذكور قبل على كل حال سالم ، وإن قال لا أعلم ما اللّه عالم ، ومع هذا المدار عليك ، وسلام اللّه عليك ، فإن كنت تحب السعادة ، وسيرة النبي والسلف ، وترغب في إصلاح العادة بأسوة السّني والشرف ، وبعد العبادة بماهيتك لا بالسلف ، وتحصل المجد العلمي ، وتذوق الوجد العملي ، وتدخل في زمرة المنتخب ، وخير من إليه ينتسب ، وتظفر بنسبة الخير المكتسب ، وبالأمور التي لا من جنس ما يكتسب ، فامتثل أوامر الآمر الأول الذي لا أول له ، الواحد الأزلي ، ثم أوامر الآخر الآخر الذي ظهر بالكلام الذي يشذ عن عرف الكلام المعرب والهزلي ، ثم الخبر الوارث ، ثم القصد الباحث ، ثم الشوق الباعث ، ثم السبب ، ثم النسب ، ثم الأدب ، ثم التصديق ، ثم التحقيق ، ثم حفظ ذلك كله بما حفظ به الذكر ، ثم به كذلك ، وبما ضاق به ذرع الفكر . وبعد هذا كله الإلاحة عين الخير ، والصبر على المكروه سبب النفع وسر الأثر ، والإضراب عن الشيء الخسيس هو بذاته القبول على الأمر الرئيس ، والشريعة اعتقد أنها حكمية الموضوع إلهية المحمول ، رحمانية الأصل إنسانية الفصل ، ظاهرة في الباب باطنة عند الكتاب ، جنس المواهب أنس الطالب وأسّ المطالب ، إمهالها نقمة ، وتخصيصها حكمة . وإياك والشهوات العاجلة ، فإنها قاطعة بالكمالات الآجلة ، واعلم أن الدنيا مفارك ، والآخرة مقارك ، فمت على إيمانك ، وكن بين خوفك وأمانك ، ولا تعث ، واذكر البعث ، كذب الزنديق الهاذي [ . . . . ] اللّه من قبورنا هاذي ، ومن أكلته النسور سيجمعه النشور ، ومن الحق الصريح قيام الكل من الضريح ، وسؤالك الملكان في ذلك المكان ، وجميع الناس
--> ( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 6 / 388 ) .